فصل: تفسير الآيات (34- 41):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآيات (26- 33):

{ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)}
{ثُمَّ أَخَذْتُ الذين كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي إنكار بالعقوبة.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} أجناسها وأصنافها على أن كلا منها ذو أصناف مختلفة، أو هيئاتها من الصفرة والخضرة ونحوهما. {وَمِنَ الجبال جُدَدٌ} أي ذو جدد أي خطط وطرائق يقال جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره، وقرئ: {جُدَدٌ} بالضم جمع جديدة بمعنى الجدة و{جُدَدٌ} بفتحتين وهو الطريق الواضح. {بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها} بالشدة والضعف. {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} عطف على {بَيْضٌ} أو على {جُدَدٌ} كأنه قيل: ومن الجبال ذو جدد مختلفة اللون ومنها {غرابيب} متحدة اللون، وهو تأكيد مضمر يفسره ما بعده فإن الغربيب تأكيد للأسود ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد ونظير ذلك في الصفة قول النابغة:
وَالمُؤْمِنُ العَائِذَاتُ الطَيْرُ يَمْسَحُهَا

وفي مثله مزيد تأكيد لما فيه من التكرير باعتبار الإِضمار والإِظهار.
{وَمِنَ الناس والدواب والأنعام مُخْتَلِفٌ ألوانه كَذَلِكَ} كاختلاف الثمار والجبال. {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} إذ شرط الخشية معرفة المخشي والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إني أخشاكم لله وأتقاكم له» ولذلك أتبعه بذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته، وتقديم المفعول لأن المقصود حصر الفاعلية ولو أخر انعكس الأمر. وقرئ برفع اسم الله ونصب العلماء على أن الخشية مستعارة للتعظيم فإن المعظم يكون مهيباً. {إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ} تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه.
{إِنَّ الذين يَتْلُونَ كتاب الله} يداومون على قرائته أو متابعة ما فيه حتى صارت سمة لهم وعنواناً، والمراد بكتاب الله القرآن أو جنس كتب الله فيكون ثناء على المصدقين من الأمم بعد اقتصاص حال المكذبين. {وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلاَنِيَةً} كيف اتفق من غير قصد إليهما. وقيل السر في المسنونة والعلانية في المفروضة. {يَرْجُونَ تجارة} تحصيل ثواب الطاعة وهو خبر إن. {لَّن تَبُورَ} لن تكسد ولن تهلك بالخسران صفة للتجارة وقوله: {لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ} علة لمدلوله أي ينتفي عنها الكساد وتنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها أجور أعمالهم، أو لمدلول ما عد من امتثالهم نحو فعلوا ذلك {لِيُوَفّيَهُمْ} أو عاقبة ل {يَرْجُونَ}. {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} على ما يقابل أعمالهم. {إِنَّهُ غَفُورٌ} لفرطاتهم. {شَكُورٍ} لطاعاتهم أي مجازيهم عليها، وهو علة للتوفية والزيادة أو خبر إن ويرجون حال من واو وأنفقوا.
{والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب} يعني القرآن و{مِنْ} للتبيين أو الجنس و{مِنْ} للتبعيض. {هُوَ الحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أحقه مصدقاً لما تقدمه من الكتب السماوية حال مؤكدة لأن حقيته تستلزم موافقته إياه في العقائد وأصول الأحكام.
{إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} عالم بالبواطن والظواهر فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوة لم يوح إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب، وتقديم الخبير للدلالة على أن العمدة في ذلك الأمور الروحانية.
{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب} حكمنا بتوريثه منك أو نورثه فعبر عنه بالماضي لتحققه، أو أورثناه من الأمم السالفة، والعطف على {إِنَّ الذين يَتْلُونَ} {والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} اعتراض لبيان كيفية التوريث. {الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا} يعني علماء الأمة من الصحابة ومن بعدهم، أو الأمة بأسرهم فإن الله اصطفاهم على سائر الأمم {فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ} بالتقصير في العمل به. {وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} يعمل به في غالب الأوقات. {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله} بضم التعليم والإِرشاد إلى العمل، وقيل الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم. وقيل الظالم المجرم والمقتصد الذي خلط الصالح بالسيء والسابق الذي ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «أما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم يتلقاهم الله برحمته» وقيل الظالم الكافر على أن الضمير للعباد، وتقدميه لكثرة الظالمين ولأن الظلم بمعنى الجهل والركون إلى الهوى مقتضى الجبلة والاقتصاد والسبق عارضان. {ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير} إشارة إلى التوريث أو الاصطفاء أو السبق.
{جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} مبتدأ وخبر والضمير للثلاثة أو ل {الذين} أو لل {مُّقْتَصِدٌ} وال {سَابِقُ}، فإن المراد بهما الجنس وقرئ: {جنة عدن} و{جنات عَدْنٍ} منصوب بفعل يفسره الظاهر، وقرأ أبو عمرو {يَدْخُلُونَهَا} على البناء للمفعول. {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} خبر ثان أو حال مقدرة، وقرئ: {يُحَلَّوْنَ} من حليت المرأة فهي حالية. {مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} {مِنْ} الأولى للتبعيض والثانية للتبيين. {وَلُؤْلُؤاً} عطف على {ذَهَبَ} أي {مّن ذَهَبٍ} مرصع باللؤلؤ، أو {مّن ذَهَبٍ} في صفاء اللؤلؤ ونصبه نافع وعاصم رحمهما الله تعالى عطفاً على محل {مِنْ أَسَاوِرَ}. {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}.

.تفسير الآيات (34- 41):

{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)}
{وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن} همهم من خوف العاقبة، أو همهم من أجل المعاش وآفاته أو من وسوسة إبليس وغيرها، وقرئ: {الحزن}. {وَإِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ} للمذنبين. {شَكُورٍ} للمطيعين.
{الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة} دار الإِقامة. {مِن فَضْلِهِ} من إنعامه وتفضله إذ لا واجب عليه. {لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} تعب. {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} كلا إذ لا تكليف فيها ولا كد، أتبع نفي النصب نفي ما يتبعه مبالغة.
{والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ} لا يحكم عليهم بموت ثان. {فَيَمُوتُواْ} فيتسريحوا، ونصبه بإضمار أن، وقرئ: {فيموتون} عطفاً على {يقضى} فقوله تعالى: {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} {وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا} بل كلما خبت زيد إسعارها. {كذلك} مثل ذلك الجزاء. {نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} مبالغ في الكفر أو الكفران، وقرأ أبو عمرو {يجزى} على بناء المفعول وإسناده إلى {كُلٌّ}، وقرى {يجازي}.
{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا} يستغيثون يفتعلون من الصراخ وهو الصياح استعمل في الاستغاثة لجهر المستغيث صوته. {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ} بإضمار القول وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور للتحسر على ما عملوه من غير الصالح والاعتراف به، والإشعار بأن استخراجهم لتلافيه وأنهم كانوا يحسبون أنه صالح والآن تحقق لهم خلافه. {أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النذير} جواب من الله وتوبيخ لهم و{مَّا يَتَذَكَّرُ} فيه متناول كل عمر يمكن المكلف فيه من التفكر والتذكر، وقيل ما بين العشرين إلى الستين. وعنه عليه الصلاة والسلام: «العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة» والعطف على معنى {أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ} فإنه للتقرير كأنه قال: عمرناكم وجاءكم النذير وهو النبي صلى الله عليه وسلم أو الكتاب، وقيل العقل أو الشيب أو موت الأقارب. {فَذُوقُواْ فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ} يدفع العذاب عنهم.
{إِنَّ الله عالم غَيْبِ السموات والأرض} لا يخفى عليه خافية فلا يخفى عليه أحوالهم. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} تعليل له لأنه إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى ما يكون كان أعلم بغيرها.
{هُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف في الأرض} ملقى إليكم مقاليد التصرف فيها، وقيل خلفاً بعد خلف جمع خليفة والخلفاء جمع خليف. {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} جزاء كفره. {وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً} بيان له، والتكرير للدلالة على عن اقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين مستقل باقتضاء قبحه ووجوب التجنب عنه، والمراد بالمقت وهو أشد البغض مقت الله وبالخسار خسار الآخرة.
{قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} يعني آلهتهم والإِضافة إليهم لأنهم جعلوهم شركاء الله أو لأنفسهم فيما يملكونه.
{أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض} بدل من {أَرَءَيْتُمْ} بدل الاشتمال لأنه بمعنى أخبروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء أروني أي جزء من الأرض استبدوا بخلقه. {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السموات} أم لهم شركة مع الله في خلق السموات فاستحقوا بذلك شركة في الألوهية ذاتية. {أَمْ ءَاتَيْنَاهُم كِتَاباً} ينطق على أنا اتخذناهم شركاء. {فَهُمْ على بَيّنَةٍ مّنْهُ} على حجة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة جعلية، ويجوز أن يكون هم للمشركين كقوله تعالى: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا} وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر والكسائي {على بينات} فيكون إيماء إلى أن الشرك خطير لابد فيه من تعاضد الدلائل. {بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضُهُم إِلاَّ غُرُوراً} لما نفى أنواع الحجج في ذلك أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه وهو تغرير الأسلاف الأخلاف، أو الرؤساء الأتباع بأنهم شفعاء عند الله يشفعون لهم بالتقرب إليه.
{إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ} كراهة أن تزولا فإن الممكن حال بقائه لابد له من حافظ، أو يمنعهما أن تزولا لأن الإِمساك منع. {وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ} ما أمسكهما. {مِن بَعْدِهِ} من بعد الله أو من بعد الزوال، والجملة سادة مسد الجوابين ومن الأولى زائدة والثانية للابتداء. {إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} حيث أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدا هداً كما قال تعالى: {تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض}

.تفسير الآيات (42- 45):

{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)}
{وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم}. وذلك أن قريشاً لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى لو أتانا رسول لنكونن {أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم}، أي من واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم، أو من الأمة التي يقال فيها هي {إِحْدَى الأمم} تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة. {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ} يعني محمداً عليه الصلاة والسلام. {مَّا زَادَهُمْ} أي النذير أو مجيئه على التسبب. {إِلاَّ نُفُورًا} تباعداً عن الحق.
{استكبارا في الأرض} بدل من نفوراً أو مفعول له. {وَمَكْرَ السيئ} أصله وإن مكروا المكر السيء فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثم بدل أن مع الفعل بالمصدر، ثم أضيف. وقرأ حمزة وحده بسكون الهمزة في الوصل. {وَلاَ يَحِيقُ} ولا يحيط. {المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} وهو الماكر وقد حاق بهم يوم بدر، وقرئ: {وَلاَ يَحِيقُ المكر} أي ولا يحيق الله. {فَهَلْ يَنظُرُونَ} ينتظرون. {إِلا سُنَّتُ الأولين} سنة الله فيهم بتعذيب مكذبيهم. {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً} إذ لا يبدلها بجعله غير التعذيب تعذيباً ولا يحولها بأن ينقله من المكذبين إلى غيرهم، وقوله: {أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ في الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ} استشهاد علم بما يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الماضين. {وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَئ} ليسبقه ويفوته. {فِي السموات وَلاَ في الأرض إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً} بالأشياء كلها. {قَدِيراً} عليها.
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ} من المعاصي. {مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا} ظهر الأرض {مِن دَابَّةٍ} من نسمة تدب عليها بشؤم معاصيهم، وقيل المراد بالدابة الإِنس وحده لقوله: {ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى} هو يوم القيامة. {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً} فيجازيهم على أعمالهم.
عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة: أن أدخل من أي باب شئت».